ابن أبي مخرمة

16

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

يوما مائة ألف درهم ليشتري بها نفسه من عذاب ذلك اليوم ، فدخل عليه الأخطل الشاعر فأنشده : [ من الطويل ] أبا خالد بادت خراسان بعدكم * وقال ذوو الحاجات أين يزيد فلا نظر الراءون بعدك منظرا * ولا اخضر بالمروين بعدك عود فما لسرير الملك بعدك بهجة * ولا لجواد بعد جودك جود « 1 » فأعطاه المائة ألف ، ووطن نفسه على الصبر لعذاب ذلك اليوم ، فبلغ الحجاج ذلك فقال : أكل هذا الكرم وأنت بهذه الحالة ؟ ! قد وهبت لك عذاب اليوم وما بعده . قال ابن خلكان : ( أجمع علماء التاريخ على أنه لم يكن في أيام بني أمية أكرم من بني المهلب ، كما لم يكن في دولة بني العباس أكرم من البرامكة ) « 2 » . ولما قتل يزيد في المعركة . . عمد ابنه معاوية فأخرج من الحبس عدي بن أرطاة وجماعة فذبحهم صبرا ، ولما حمل رأس يزيد بن المهلب إلى يزيد بن عبد الملك . . نال منه جلساؤه ، فقال : مه ؛ إن يزيد طلب جسيما ، وركب عظيما ، ومات كريما . 509 - [ يزيد بن أبي مسلم الثقفي ] « 3 » يزيد بن أبي مسلم الثقفي ، مولى الحجاج بن يوسف وكاتبه . وكان فيه كفاية ونهضة ، ولما حضرت الحجاج الوفاة . . استخلفه بالعراق ، فأقره الوليد بن عبد الملك ، وقال الوليد يوما مشيرا إلى كفايته وقيامه فيما ولي : مثلي ومثل الحجاج وابن أبي مسلم كرجل ضاع له درهم فوجد دينارا ، ولما مات الوليد وولي سليمان . . عزل يزيد المذكور ، واستحضره فرآه دميما ، كبير البطن ، قبيح الوجه ، فقال : لعن اللّه من أشركك في أمانته ، وحكمك في دينه ، فقال : يا أمير المؤمنين ؛ لا تقل ذاك ؛ فإنك رأيتني والأمور مدبرة عني ، فلو رأيتني وهي مقبلة . . لاستعظمت ما استصغرت ، ولاستجللت ما احتقرت ، فقال سليمان : قاتله اللّه ما أسد عقله ، وأعضب لسانه « 4 » ! ثم قال

--> ( 1 ) لم نجد هذه الأبيات في ديوان الأخطل ، وقد عزاها ابن عساكر في « تاريخ دمشق » ( 57 / 172 ) إلى الفرزدق ، وهي في « ديوانه » ( 1 / 153 ) ، واللّه أعلم . ( 2 ) « وفيات الأعيان » ( 6 / 283 ) . ( 3 ) « تاريخ الطبري » ( 6 / 617 ) ، و « الكامل في التاريخ » ( 4 / 146 ) ، و « وفيات الأعيان » ( 6 / 309 ) ، و « سير أعلام النبلاء » ( 4 / 593 ) ، و « تاريخ الإسلام » ( 7 / 282 ) ، و « مرآة الجنان » ( 1 / 212 ) ، و « شذرات الذهب » ( 2 / 18 ) . ( 4 ) لسان عضب : ذليق حاد .